أبي منصور الماتريدي

82

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً يحتمل وجهين : يحتمل ليكون هلاكك آية ، فلا يدعى أحد الربوبية والألوهية مثل ما ادعى هو « 1 » ، أو يقول : لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً أي : من شاهدك كذلك غريقا ملقى كان آية له . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ : قال بعض أهل التأويل : يعني أهل مكة « 2 » عن آياتنا لغافلون عن هلاك فرعون وقومه لما قالوا : ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً [ سبأ : 43 ] ، و ما هذا إِلَّا سِحْرٌ [ القصص : 36 ] [ . . . ] « 3 » يقول : هم غافلون عما أصاب أولئك ؛ إذ مثل هذا لا يفترى ، أعني : هذه القصص . ويحتمل وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ ، أي : كثير منهم كانوا غافلين عما أصابهم ، والغفلة تكون على وجهين : أحدهما : غفلة إعراض وعناد بعد العلم به ومعرفة أن ذلك حق . والثاني : يغفل بترك النظر والتفكر ؛ فكلا الوجهين مذموم . وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ : قال عامة أهل التأويل : بوأنا أنزلنا بني إسرائيل منزل صدق « 4 » . وقال بعضهم : بَوَّأْنا : هيئنا لبنى إسرائيل ، مُبَوَّأَ صِدْقٍ : مهيأ صدق حسنا ؛ كقوله : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ . . . الآية [ آل عمران : 121 ] ، أي : تهيئ للمؤمنين . وقال بعضهم : قوله : بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي : مكناهم تمكين صدق ؛ وهو كقوله : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ . . . الآية [ القصص : 5 - 6 ] يحتمل ما ذكر من التبوئة التمكين « 5 » الذي ذكر في هذه الآية وقوله مُبَوَّأَ صِدْقٍ قال بعضهم : منزل صدق ، أي : كريم وقال : منزل صدق أي حسن . ويحتمل وجهين آخرين : أحدهما : أنه وعد لهم أن يمكن لهم في الأرض فأنجز ذلك الوعد ، فهو مبوأ صدق أي تمكين صدق ، حيث أنجز ذلك الوعد وصدق الوعد ما ذكر وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ الآية . والثاني : مُبَوَّأَ صِدْقٍ أي : مبوأ أهل صدق لأن الشام كان لم يزل منزل أهل صدق ،

--> ( 1 ) هذا كأنه على قراءة « خلقك » بالقاف . ( 2 ) ذكره أبو حيان في البحر ( 5 / 189 ) . ( 3 ) بياض في الأصول . ( 4 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 6 / 608 ) ( 17896 ) عن الضحاك ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 570 ) وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن الضحاك . ( 5 ) في أ : التمكن .